العقل Mind

إنت مش عارف نفسك

September 2026 · 6 دقايق قراءة · Read in English
راجل من ضهره، قاعد على ركبه على حافة النيل وقت المغرب، وانعكاسه مكسور بموج المية

شغّل تسجيل لصوتك، وهتقول نفس الجملة اللي الكل بيقولها: ده مش صوتي.

لأ، هو صوتك. والسبب إنه باين غريب سبب ميكانيكي. وإنت بتتكلم، بتسمع نفسك جزئيًا من خلال عضم جمجمتك، وده بيخلّي الصوت أتقل وأدفى. أي حد تاني بيسمع بس النسخة اللي ماشية في الهوا. يعني الصوت اللي كل الناس في حياتك عارفينه، هو الصوت الوحيد اللي إنت عمرك ما سمعته فعلًا.

دي المقالة كلها في معلومة واحدة. النسخة منك اللي كل الناس بيتعاملوا معاها، هي النسخة اللي إنت أقل واحد يوصل لها.

إنت مش عارف جسمك حتى

ابدأ بالجزء السهل — الجزء اللي تقدر تشوفه.

إنت مش عارف شكلك وإنت ماشي. مش عارف شكلك وإنت قاعد. غمّض عينك وحاول تلفّ وشّك في دماغك زي موديل 3D، مش هيثبت. ولما حد يقولك فلان شبهك جدًا، بتهز راسك بأدب، لأنك بجد مش شايف الشبه. الكل شايفه غيرك.

والشيخ اللي سمعت منه الكلام ده ذكر تجربة: صوّروا إيدين ناس، وخلطوا الصور، ونسبة مش قليلة منهم ماعرفتش إيديها. أيًا كان الرقم بالظبط، الفكرة ثابتة: في أجزاء من جسمك عمرك ما شفتها ولا لمستها.

ده الجسم. الحاجة اللي بتبص عليها كل يوم، في المراية وفي الصور. طب اسأل نفسك إنت عارف قد إيه الحاجات اللي ماتتصوّرش — طبعك، وعيوبك، وإنت بتعمل إيه تحت الضغط.

الدليل: المفاجأة

لو كنت عارف نفسك، عمرك ما كنت هتتفاجئ برأي الناس فيك. وإنت بتتفاجئ طول الوقت. الناس بتقول إنك كذا.أنا؟ وبعد سنة، وإنت لوحدك: …آه. أنا فعلًا كده.

بتبقى متأكد إنك هتنجح في حاجة، وتفشل. ومتأكد إنك مش بتاع حاجة، وتطلع أحسن حاجة بتعملها. وأي حد بنى أي حاجة بيتعلم ده بأغلى طريقة ممكنة.

في آية قريتها كتير من غير ما آخد بالي هي بتعمل إيه. القرآن وهو بيوصف أهل الكتاب عارفين النبي ﷺ قد إيه، قال: يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ولو طلبت من أغلب الناس يكمّلوا الآية من الذاكرة، هيقولوا كما يعرفون أنفسهم. بس الآية ماقالتش كده. قالت أبناءهم.

والراغب الأصفهاني شرح ليه: الإنسان مابيعرفش نفسه إلا بعد ما يعدّي حتة كبيرة من عمره. معرفتك بابنك فورية. معرفتك بنفسك بتيجي بعدين — بعد ما تاكلها على دماغك، وتتخذل، وتفشل، وتتوجع. ساعتها بتبدأ تقول أنا نضجت، أنا فهمت. ومعاييرك بتعلى: في مين تصاحبه، وأنهي مشاريع تدخلها، وإيه اللي يزعّلك وإيه اللي لأ، وأنهي معارك تدخلها وأنهي تعدّيها.

معرفة النفس مش نقطة بداية. دي حاجة بتتكسب، وغالبًا تمنها غالي.

الموبايل عزلك عن نفسك

في حاجة حصلت لينا كلنا، ولبعضنا بتحصل كل يوم. قاعد مع الموبايل، بتقلّب، وقت طويل. تحطه، تقوم — تلاقي إيدك بتوجعك. رقبتك بتوجعك.

هو الوجع بدأ لما قمت؟ لأ. كان موجود طول الوقت. إنت بس ماكنتش موجود عشان تحس بيه. وعيك كله كان في الشاشة، وأول ما سيبت الشاشة، جسمك أخيرًا لحق يبلّغك.

ده ألم جسدي — عالي، ومباشر، وليه أعصاب معمولة مخصوص توصّله. طب فكّر في كل حاجة في حياتك مابتوجعش في ميعاد: الهدف اللي بتأجّله، والعلاقة اللي سيبتها تسكت، والمسؤولية اللي بتفلت منك، والعيب اللي بيتكرر. ولا واحدة فيهم بتبعت إشارة حادة كفاية تخترق الـfeed.

السوشيال ميديا الأول عزلتنا عن بعض — أوضة مليانة ناس، كل واحد في شاشته. بعدين عزلتنا عن نفسنا. أنا بتابع الـscreen time بتاعي كل أسبوع. الرقم بيقولي أنا غبت قد إيه. مابيقوليش فاتني إيه وأنا غايب.

الجزء الظاهر والجزء المستور

ابن المقفع كتب إن أشد عيوب الإنسان خفاء عيوبه عن نفسه. والكلمة الأقدم أحدّ: يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه، وينسى الجِذع في عينه. أقدر أشوف غلطات زميلي، وغلطات فريقي، من آخر الأوضة. غلطاتي أنا، وأنا واقف جواها، مش شايفها.

ماتقدرش تسأل السمكة عن شكل المية. القرب نفسه حجاب.

فكّر في نفسك زي هدمة لابسها. جزء منها قدام عينك. لو قلتلي في بقعة على كُمّي، هبص وأتأكد وأقولك إنت صح ولا لأ — كلامك مش هيهزّني، لأني شايف بنفسي. ده الجزء الظاهر. عارفه، وأقدر أتحكم فيه، وأنضّفه.

المشكلة في الضهر. الجزء اللي مش قادر ألفّ راسي كفاية أشوفه. لو قلتلي في حاجة على ضهري، أنا اتزنقت. مش قادر أتأكد. يا إما أتجاهلك، يا إما أدوّر على مساعدة.

تبدأ منين

كام أداة بصراحة:

حاسب نفسك. كام دقيقة كل ليلة: عملت إيه النهارده، وليه؟ المحاسبة — العادة القديمة إنك تراجع نفسك — لسه أرخص أداة موجودة.

ادخل تجارب جديدة. بتعرف عن نفسك في موقف واحد جديد أكتر ما بتعرف في سنة روتين، لأن الروتين عمره ما بيسألك سؤال جديد.

الاختبارات بتساعد، شوية. أدوات الشخصية ممكن تديك كلمات توصف بيها نفسك. بس مش هتوريك ضهرك.

والضهر مالوش غير أداة واحدة حقيقية: حد شايفه وهيقولك. ودي موضوع المراية.

إنك مش عارف نفسك مش هي المشكلة. المشكلة إنك متأكد إنك عارفها.

دي أول مرحلة من أربع مراحل للتغيير — اعرف، اعترف، قرّر، كرّر — اللي كتبتها في التزكية. وكل المراحل التانية قايمة عليها. ماتقدرش تعترف بحاجة مش شايفها.


دي تاني مقالة من تلاتة عن النفس. قبلها: التزكية. وبعدها: المراية. الأفكار بدأت من حلقة من سلسلة بوصلة — «لماذا يصعب عليك تغيير نفسك؟».