فيه قدرة كان عند كل جيل من البني آدمين بشكل افتراضي، وجيلك هو أول جيل في التاريخ بيخسرها — وخسارتها جديدة وكاملة للدرجة اللي إحنا لسه ما اتفقناش على اسم للضرر. والقدرة دي هي: إنك تكون لوحدك مع دماغك، من غير ما تمدّ إيدك على أي حاجة.
الفارس كانت مفروضة عليه. حراسة ليل. وركوب طويل بين البلاد ومفيش حاجة تتبصّ عليها غير الطريق. وشتا. ونقاهة. وساعات ضخمة مش مليانة مفيش فيها حاجة تتعمل غير إنك تبقى راجل بيفكر. إحنا بنقرا عن العصور دي ونشفق على المَلل. المفروض ندرسها كتكنولوجيا ضايعة — لأن في مكان جوّه الساعات الفاضية دي هي المكان اللي بتتركّب فيه النفس. الأفكار بتكمّل نفسها. والتجارب بتتهضم لدروس. والحزن بيتعالج بدل ما يتأجّل. الدماغ، لما تديها سكوت، بتعمل أرشفتها.
وانت تقريبًا مش عندك حاجة من ده. كن أمين في الجرد: إمتى آخر مرة قضيت تلاتين دقيقة وانت صاحي من غير أي مدخلات — لا موبايل، ولا بودكاست، ولا موسيقى، ولا شاشة، ولا كتاب، ولا حد تاني؟ لأغلب اللي تحت التلاتين الإجابة الحقيقية بتتقاس بالشهور، ومش لأن الدقايق مش موجودة. لأن الفجوة نفسها بقت لا تُحتمل. كل درزة في اليوم — الأسانسير، والطابور، والإشارة الحمرا، والحمام — بتتسدّ فورًا بمدخلات. بيسمّي الحالة دي ، وبصمتها في كل حتة حواليك: جيل قلقان بطريقة مش قادر يفسّرها، وعنده حساسية من صحبة نفسه، ومش قادر يقعد في أوضة بالسكوت — وهي الحاجة اللي فيلسوف فرنساوي شكّ من تلات قرون إنها أصل أغلب مشاكل البشرية.
افهم المدخلات المستمرة بتكلّف إيه فعلًا. الدماغ عندها وضع خلفي — الشبكة الافتراضية، اللي بتشتغل بالظبط لما مفيش حاجة خارجية بتطلب انتباه — والوضع ده هو المكان اللي الشغل الجوهري غير اللامع بيحصل فيه: تثبيت الذاكرة، وربط شظايا الأسبوع، وبروفة المستقبل، ومراجعة النفس. املا كل فجوة بمدخلات والشغل ده ببساطة عمره ما هيشتغل. التجارب بتتكوّم من غير هضم. وبتحسّ إنك متأخّر على طول في حياتك انت، لأنك فعلًا متأخّر: قسم الأرشفة قافل من سنين.
وخد بالك — دي العمارة الهادية للدين، متخبّية على المكشوف — انت اتوصفتلك خلوة خمس مرات في اليوم. الراجل اللي في الصلاة خارج من الفيد بالكامل: لا مدخلات، ولا جمهور، انتباه مجمَّع ومصوَّب على حاجة واحدة. والنبي ﷺ، قبل ما الوحي ينزل أصلًا، كان بيتخلّى لوحده في غار أسابيع ورا بعض — الخلوة، الانسحاب المقصود — كأن المعنى: قبل ما الراجل يقدر يشيل رسالة، لازم الأول يقدر يتحمّل صحبة نفسه. التراث عمره ما عامل الخلوة كوحدة. عاملها كالمكان اللي القلب بيرجّع فيه سمعه.
إعادة بناء القدرة دي بسيطة بشكل قاسي وغير مريحة بجد. امشي من غير الموبايل — ابدأ بخمستاشر دقيقة؛ الرعشة اللي بتحسّها في الدقيقة التانية دي أعراض الانسحاب، وبتعدّي. اقعد بعد الفجر بدل ما تمدّ إيدك على الشاشة؛ أول ساعة في الدنيا وأحسن سكوت لدماغك، وحاليًا بتتبدّل بضوضا ناس تانية. سُق العربية في هدوء. وقف في الطابور وبس قف فيه. انت مش بتعمل ولا حاجة في الدقايق دي. انت بتسيب الأرشفة تشتغل.
ليه الفصل ده قاعد هنا، في آخر الأدوات؟ لأن الخلوة هي الشرط المسبق لمخزن السلاح كله. الانتباه مش ممكن يتحكم فيه راجل عمره ولا مرة راقب دماغه وهي ماشية لوحدها. وعدّادات الفصل الرابع مش ممكن تتقري فوق ضوضا المدخلات المستمرة. وحصان الفصل التالت مش ممكن يتدرّب من تاني وكل ثانية فاضية بتأكله. الخلوة هي المكان اللي هتقابل فيه العدّة أخيرًا. أغلب الناس عمرها ما بتقابلها — بيشيلوا العدّة كاملة طول حياتهم، مقفولة، ما اتفتحتش، وبتطنّ.